
يخلط البعض ممن يدّعون تبنّي الفكر العلماني بين مفهوم “العلمانية الليبرالية” التي تأسس عليها الدستور الأمريكي العظيم، وبين “الوصاية الشمولية” التي تسعى لتنميط المجتمع بقوة القانون، وذلك حين يطالبون بتدخل الحكومة الأمريكية لمنع الفتيات من ارتداء الحجاب أو مصادرة حق الأهل في تربية أبنائهم وتوجيههم وفق قناعاتهم.
إن مطالبة الدولة بالتدخل في ملبس الفتيات أو عقيدة الأسرة لا تمتّ بصلة لمبادئ الحرية الأمريكية، بل هي انقلاب صريح عليها. وهكذا يحسم الفقه الدستوري والمحكمة العليا الأمريكية هذا الجدل:
1. الفرق بين حياد الدولة ووصاية الدولة
العلمانية الليبرالية في الولايات المتحدة (بموجب التعديل الأول للدستور – First Amendment) تأسست لحماية “حرية الممارسة والاعتقاد” من تغوّل السلطة، وليس لمحاربة المظاهر الدينية في الفضاء العام. الدولة في النموذج الدستوري الأمريكي تقف على مسافة واحدة من جميع المعتقدات لحماية حرية أصحابها، ولا تملك سلطة فرض زيّ معين أو حظر مظهر التزام سلمي كالحجاب؛ لأن إجبار الإنسان على خلع ما يعتقد به لا يختلف في استبداده عن إجباره على ارتدائه.
2. “الطفل ليس ملكية للدولة”
يرتكز القانون الأمريكي (بموجب التعديل الرابع عشر – Fourteenth Amendment) على مبدأ “الاستقلالية الأسرية” (Parental Autonomy)، الذي يعتبر حق الوالدين في تربية أطفالهم وتوجيههم فكرياً وأخلاقياً حقاً أساسياً يسبق في وجوده قيام الدولة نفسها.
وقد رسّخت المحكمة العليا الأمريكية هذا المبدأ عبر تاريخها:
* قضية Pierce v. Society of Sisters (1925): حين حاولت ولاية أوريغون صهر جميع الأطفال في ثقافة واحدة بإجبارهم على المدارس الحكومية فقط، ألغت المحكمة العليا القانون وأرست قاعدتها التاريخية الخالدة: “الطفل ليس مجرد مخلوق تابع للدولة؛ بل إن أولئك الذين يرعونه ويوجّهون مصيره يملكون الحق، وعليهم الواجب السامي، في إعداده لالتزاماته”.
* قضية Wisconsin v. Yoder (1972): حمت المحكمة العليا حق عائلات طائفة “الأميش” في تنشئة أبنائهم وفق أسلوب حياتهم وقيمهم ولباسهم التقليدي بعيداً عن محاولات التنميط القسري من الدولة.
* قضية Mahmoud v. Taylor (2025): عادت المحكمة العليا لتؤكد بأغلبيتها أن إكراه الأطفال في المدارس على تلقي توجيهات تتصادم جوهرياً مع القيم والمعتقدات التي يغرسها الوالدان يمثل انتهاكاً صريحاً للتعديل الأول للدستور.
3. متى تتدخل الدولة في القانون الأمريكي؟
لا تتدخل السلطات الأمريكية لتقييد سلطة الأهل إلا في حالات استثنائية صارمة عندما يكون هناك ضرر مادي أو جسدي جسيم يهدد حياة الطفل أو سلامته الأساسية (مثل الامتناع عن تقديم علاج طبي منقذ للحياة، أو تشغيل الأطفال في ظروف خطرة كما في قضية Prince v. Massachusetts عام 1944). أما التوجيه الأخلاقي، واختيار الملبس المحتشم، والتربية الأسرية السلمية، فهي في صميم الحريات المحمية دستورياً.
خلاصة الأمر أن من يطالب الحكومة الأمريكية بانتزاع حق الآباء في توجيه بناتهم، أو يدعو لفرض حظر قانوني على الحجاب، لا يدافع عن العلمانية ولا عن الحرية، بل يستدعي نموذج “الدولة الأبوية الشمولية” التي تفرض وصايتها على العقول والأجساد؛ وهو النموذج الذي ثار عليه الآباء المؤسسون وكتبوا الدستور الأمريكي لمنع قيامه.




